دَخَــل عَـلَـيّا مُـنَـقّش وَاحْـتَـمَل ظُـلْمِي
وَشَـــلّ فُــؤَادِي وَعَـقْـلِي بَـيْـن أَكْـنَـافَه
فَـقُـلْت يَــا زِيْــن بِالله مَــا هُـوَ جُـرْمِي
تُــنَـزّل عَـلَـيّـا الــعَـذَاب بِـكُـلّ أَصْـنَـافَه
لَــفَـت عَـلَـيّـا تَـبَـسّم ثُــمّ شَــلّ رَقْـمِـي
وَقَـــال اِلْــحَـق فُـــؤَادَك تَـــمّ إِسْـعَـافَه
فَقُلْت كَيْف انْتَزَعْتَه مِنْ وَسَط جِسْمِي
وَمَــنْ سَـمَـح لَــك بِـتَجْهِيزَه وَغُـلّافَه؟
قَـال لِـي بِـفَارِق حَيَاة الحُبّ أَنَا سَلْمِي
أَعْــرِف دُرُوب الـهَـوَى وَكُــلّ أَوْصَـافَـه
فَــقُـلْـت وَالله لَــحَــدّ الآن ذَا حُــلْـمِـي
وَكُـلّـمَـا الـنّـفْس تُــرَاوِد لَـمْـح أَطْـيَـافَه
أَشّـــر وَبَــشّـر بِـأَنّـه قَــد فَـهِـم فَـهْـمِي
حَـتّى تَـبَيّن مَـرَامَه مِـنْ عَـلَى أَطْـرَافَه
سَرَى غَرَامَه بِلَحْظَة فِي صَمِيم عَظْمِي
مَـا تَـسْتَطِيع كُـلّ جُـنُود الأَرْض إِيْقَافَه
حَـتّى إِنّ حُـبّه عَـلَى قَـلْبِي غَدَا حَتْمِي
وَالـحِـسّ هَـائِـم بِـحُسْنَه بَـعْدَمَا شَـافَه
تُعد هذه القصيدة للشاعر عارف أحمد سيف الميرابي من السهل الممتنع؛ فهي تمزج بين رقة الغزل اليمني وجمال اللهجة الصادقة، وتستخدم استعارات حديثة (مثل "شل رقمي" و"إسعاف") لتعبر عن حالة وجدانية كلاسيكية.
إليك شرح مفصل ودقيق للأبيات:
1. الاستهلال والوقوع في الأسر
دَخَــل عَـلَـيّا مُـنَـقّش وَاحْـتَـمَل ظُـلْمِي
وَشَـــلّ فُــؤَادِي وَعَـقْـلِي بَـيْـن أَكْـنَـافَه
الشرح: يصف الشاعر دخول المحبوب "المنقش" (الذي تتزين يداه بنقش الحناء، وهي دلالة جمالية يمنية)، وكأن هذا الجمال ارتكب "ظلمًا" بحق الشاعر لشدة وقعه عليه. لقد استطاع هذا المحبوب أن يسلب الشاعر أغلى ما يملك: قلبه (العاطفة) وعقله (التفكير).
2. الدهشة والتساؤل
فَـقُـلْت يَــا زِيْــن بِالله مَــا هُـوَ جُـرْمِي
تُــنَـزّل عَـلَـيّـا الــعَـذَاب بِـكُـلّ أَصْـنَـافَه
الشرح: يخاطب الشاعر المحبوب متسائلًا بلهجة المستسلم لجماله: ما هو الذنب الذي ارتكبته لأستحق هذا العذاب العاطفي؟ فجمال المحبوب أصبح يمثل "عذابًا" لذيذاً يرهق الشاعر.
3. التحول المفاجئ (الإسعاف)
لَــفَـت عَـلَـيّـا تَـبَـسّم ثُــمّ شَــلّ رَقْـمِـي
وَقَـــال اِلْــحَـق فُـــؤَادَك تَـــمّ إِسْـعَـافَه
الشرح: هنا تبرز مهارة الشاعر في دمج الواقع بالخيال. فبعد نظرة وتبسم، قام المحبوب "بأخذ رقم الهاتف"، وفي إشارة ذكية، أخبر الشاعر أن قلبه الذي سُلب منه ليس في خطر، بل هو في مأمن وكأنه نُقل إلى "غرفة الإسعاف" ليعالج بالحب.
4. التعجب من التمكن والسيطرة
فَقُلْت كَيْف انْتَزَعْتَه مِنْ وَسَط جِسْمِي
وَمَــنْ سَـمَـح لَــك بِـتَجْهِيزَه وَغُـلّافَه؟
الشرح: يتعجب الشاعر من سرعة وقوة تأثير هذا المحبوب؛ كيف استطاع انتزاع القلب بهذه السهولة؟ وكيف تملك حق التصرف فيه وتغليفه (تملكه بالكامل) دون استئذان؟
5. ثقة المحبوب وخبرته
قَـال لِـي بِـفَارِق حَيَاة الحُبّ أَنَا سَلْمِي
أَعْــرِف دُرُوب الـهَـوَى وَكُــلّ أَوْصَـافَـه
الشرح: يرد المحبوب بثقة، موضحاً أنه "سَلْمِي" (أي مسالم أو خبير بالهوى)، وأنه يمتلك الخبرة الكافية في طرق الحب، مما يجعله يعرف تماماً كيف يتعامل مع القلوب المفتونة.
6. الحلم والواقع
فَــقُـلْـت وَالله لَــحَــدّ الآن ذَا حُــلْـمِـي
وَكُـلّـمَـا الـنّـفْس تُــرَاوِد لَـمْـح أَطْـيَـافَه
الشرح: الشاعر لا يزال تحت تأثير الصدمة والذهول، حتى أنه يشك في أن ما يحدث حقيقة، ويظنه "حلماً". فنفسه لا تزال تلاحق طيف هذا المحبوب لعلها تدرك حقيقته.
7. لغة الإشارة والتفاهم
أَشّـــر وَبَــشّـر بِـأَنّـه قَــد فَـهِـم فَـهْـمِي
حَـتّى تَـبَيّن مَـرَامَه مِـنْ عَـلَى أَطْـرَافَه
الشرح: يصف الشاعر لحظة التفاهم الصامت؛ فبمجرد إشارة من المحبوب، وصلت الرسالة وفهم كل منهما الآخر. لقد اتضحت النوايا (المرام) من خلال لغة الجسد والعيون.
8. الغزو العاطفي الشامل
سَرَى غَرَامَه بِلَحْظَة فِي صَمِيم عَظْمِي
مَـا تَـسْتَطِيع كُـلّ جُـنُود الأَرْض إِيْقَافَه
الشرح: يصف قوة الحب بأنها تغلغلت حتى وصلت إلى "العظام"، وهي مبالغة شعرية تدل على التمكن التام. ويؤكد أن هذا الشوق جارف لدرجة أن جيوش الأرض مجتمعة لا تملك القدرة على صده أو إيقافه.
9. الاستسلام النهائي
حَـتّى إِنّ حُـبّه عَـلَى قَـلْبِي غَدَا حَتْمِي
وَالـحِـسّ هَـائِـم بِـحُسْنَه بَـعْدَمَا شَـافَه
الشرح: يختم الشاعر القصيدة بالاستسلام للقَدَر المحتوم؛ فالحب صار واقعاً لا مفر منه، وحواس الشاعر كلها أصبحت هائمة وضائعة في جمال هذا المحبوب بعد أن عاينه وشاهده.
التحليل الفني السريع:
الوزن: القصيدة من الشعر الشعبي اليمني (الحميني) الذي يعتمد على القافية المزدوجة (الياء في الشطر الأول، والهاء في الشطر الثاني).
العاطفة: عاطفة جياشة تجمع بين الدهشة، الإعجاب، والاستسلام التام لسلطان الحب.
تعليقات
إرسال تعليق
أخي الزائر نحن سعيدون جدا بزيارتك لنا فزيارتك شي عظيم بالنسبة لنا و يهمنا كثيراً من فضلك أترك تعليقك هنا لما ترانا نستحقة من حروفك الذهبيات فألف الف شكر