سيرة ومرثية العلم الشيخ أحمد سيف عبد الرسول الميرابي (رحمه الله)


 سيرة ومرثية العلم الشيخ أحمد سيف عبد الرسول الميرابي (رحمه الله)

بقلم نجله: الشاعر عارف أحمد سيف الميرابي

خاص بـ: موقع الميرابي للأدب

تمهيد

تظل بقعة "وادي الجنات" في عزلة الزراري بمديرية شرعب الرونة بمحافظة تعز شاهدة على أصالة الإنسان اليمني، وثباته الشامخ بشموخ جبل "ذراع أسود". ومن أحضان هذه الطبيعة الخلابة العظيمة، خرج رجل لم يكن مجرد أبٍ لأسرة، بل كان عالماً، وحافظاً لكتاب الله، وعارفاً بأسرار لغة الضاد وتجويدها، ومتقناً لعلوم عصره ولغاته.

نسلط الضوء في هذا المقال التوثيقي الجامع على سيرة الراحل الشيخ أحمد سيف عبد الرسول الميرابي، مستحضرين الثلاثية المرثية التي خطّها نائحه البار الشاعر عارف أحمد سيف الميرابي، والتي تجمع بين حرقة الفراق وعمق البر والتسليم بالقضاء والقدر.

أولاً: منار العلم والقرآن.. سيرة رجل استثنائي

لم تكن حياة الشيخ الجليل أحمد سيف عبد الرسول الميرابي (رحمة الله تغشاه) مجرد عبور عابر في زحام الأيام، بل كانت رحلة حافلة بالبناء والتعلم والتعليم:

حافظ القرآن الكريم والتجويد: عاش عمره محراباً لتلاوة كتاب الله عز وجل وتدريسه، وضبط أحكام تجويده وتلاوته، وملازمة مصاحفه في جوف الليل والنهار.

عالم اللغة العربية: كان فقيهاً بعلوم الضاد والنحو، عارفاً بأسرار البلاغة ونظم القوافي، يسير بين قواعد اللغة كما يسير الفارس في ميدانه.

متقن اللغة الإنجليزية: استطاع بجهده وشغفه المعرفي أن يتقن اللغة الإنجليزية، متجاوزاً أطر المألوف في عصره ليجمع بين أصالة الموروث وعصرنة المعرفة.

وكان رحمة الله عليه يمثل السند المتين لأسرته ومجتمعه؛ فلم يكن بالنسبة لنجله الشاعر عارف الميرابي مجرد والدٍ ينفق ويقوت، بل كان أباً، وعَلَماً، وأخاً، وصديقاً، وصاحباً في آنٍ واحد. وفي مجلسه الفسيح، كانت تنهمر العلوم والمحابر وتُقام سجالات الشعر والقوافي، لينهل الأبناء من معينٍ صافٍ لا ينضب.

ثانياً: قصائد الوفاء والحرقة.. ثلاثية الرثاء الخالدة

عندما ترجل الفارس وغاب جسده تحت ثرى بلده اليمن ينبوع الشعر لم يجف، بل تفجر لوعةً ورثاءً وصادق دعاء. ونورد هنا المرثيات الثلاث كاملة وموثقة:

القصيدة الأولى: والـــــدي

(عن لوعة المرض والتوسل بالفداء قبل وقوع القدر)

والــدي يــا سـماء تـحتها تـفيأ قـلبي ... لا تــدعـنـي دون ظــلــك و تــرحــل

بــيــدي خـــذ بـــدروب الأه نـمـضـي ... ســويـاً و نـغـامـر اذا الـمـوت تـرجـل

او فــدعـنـي قـبـلـك امــضـي لـعـلـي ... إن مـضـيت اسـتقـبلك حـيـن تـوصل

والــدي لـيـتني احـمـل عـنـك كـل أهٍ ... و تـاخذ عـمري وعـمر الكون واطول

والــدي لـيـس لـي قـلب يـقوي عـلى ... سـمـاع الأه مـنـك و الـصـوت مـثـقل

انـت أغـلى مـن حـياتي و حياتي لن ... تـساوي مـنك ولـو حـتى شـي مهمل

الـف تـعسٍ لأنـينٍ اخـذك عن حديثٍ ... تـلـقـيه لـقـلـبي كـــل يـــومٍ و تـسـأل

ايُ داءٍ تــجـرأ يـاخـذك عـنـي سـهـواً ... ثـــم يــرديـك عــلـى الـفـرش مـكـبل

لــو انــه بــرز لـنـزالي لـصرعته قـهراً ... وجـعلته فـي حـياض الـمنايا مـعطل

انـه والـدي يا منايا رجوتك لا تقربيه ... ان قـلـبـي فـــي هـــواه قـــد تـوغـل

فــأنـا مــنـه نـفـسٌ خـذنـي و تـركـيه ... هــا انــا ذا بـكـل جــاهٍ الـيك اتـوسل

اخـبريني مـا الـذي انـتِ تريدين منه ... خـذيـني و اولادي لــه فـديـه مـحلل

لـكن قـد رضـينا بـما امر الرحمن حبا ... و انا و الله بما قسم لنا الرحمن نقبل

إضاءة نقدية: تتجلى في القصيدة الأولى ذروة الانفعال والعاطفة الحادة قبل وقوع القدر؛ حيث يتوسل الشاعر للموت بأن يأخذه وأولاده فداءً لوالده المطروح على فراش المرض، قبل أن يعود في البيت الأخير إلى مرساة الإيمان الصلبة متسلماً بقضاء الله.

القصيدة الثانية: افتقدك يا أبي

(في استحضار أثر القرآن والمحراب وبقاء الذكر)

أبـــي لا ادري لــمـاذا غـبـت عـنـي ... و لـم ادري لـماذا الـموت قـد أتـاكا

دعـــاك الـقـلـب فــي كــل الـزوايـا ... يـبـحـث عــنـك يـتـمنى ان يـراكـا

فـلـم يـجـد إلا بـقايا مـن ذكـريات ... عــلـى ورقٍ قـــد خـطـتـها يــداكـا

فـتسبقه العين تغرق الاوراق دمعا ... فـيـغدوا الـقـلب هـائم فـي هـواكا

فــوالله انــك مـازلت بـالقلب حـيا ... و ان كـنـت قــد وريـت فـي ثـراكا

فـأذنـي تـسمع صـوتك بـكل حـين ... وعـيـني بـكـل الامـاكـن قــد تـراكا

فـلـيس مـوقـنً بـانـك غـبت عـني ... مــادام و كــل شــيٍ قــد إحـتواكا

بــل تـبكيك الـمصاحف و الـمحابر ... و جـوف الـليل و الـمحراب دعـاكا

فـلـحـنـيـنها لــــك يــحــن قــلـبـي ... و يــشــتـاق أن يــجــلـس مــعـكـا

تـبادله الـحديث في نظم القوافي ... و تـسقيهِ عـلوم مـن فـيض سماكا

بـكـل الـحـب يـنـهل مــن عـلـومك ... و يـحـلم أن يـرقـى الـى مـستواكا

عـلـيك رحـمـة مــن الـرحـمن تـترا ... تتطيب النفس و تجزل في رضاكا

إضاءة نقدية: يصور الشاعر في هذه المرثية الأثر المعنوي والروحي للشيخ الجليل بعد رحيله؛ فالأشياء من حوله تبكيه، وأخصها المحاريب والمصاحف والأوراق التي خطتها يداه.

القصيدة الثالثة: رحمة الله تغشاك يا والدي

(عن صدمة الفراق وتسليم المؤمن بالصلاة على الشفيع)

بـكـيـتك مــن عـيـون الـقـلب دمــا ... و نـهارت مـن فـراقك كـل حواسي

لــقـد حـمـلت بـقـراقك اشــد هـمـا ... وفـقـدك نـزل بـالويل قـوق راسـي

لـما يا والدي تذهب وتتركني ظلما ... يـجب بـين الـتراب قبلك انغماسي

فـيا ايـها الـموت لـقد حطمت حلما ... اعـز انـسان اخـذت مـن بين ناسي

و اصــــدرت فــيــه اشــــد حـكـمـa ... نـزعـت روحـه فـي قـلب الـنعاسي

و صدمت جوارحي يا موت صدما ... تـركـت الـقـلب بـنار الـبين يـقاسي

لـمـا يا مـوت تـورد الاحـياء هـدما ... و تــسـحـق كـــل ذي روحٍ بــفـاسِ

جـعـلك الله عـلـى الاحـيـاء حـتـما ... و اعــطــاك الــمـهـارة و الـمـراسـي

فــحــمـداً لـــلــذي احــــاط عــلـمـا ... بـما تـخفي الغيوب تحت الرواسي

و صـلـى الله عـلـى الـمختار خـتما ... شـفـيـع الـخـلـق حــيـن الالـتـبـاسِ

إضاءة نقدية: تمثل هذه المرثية الصدمة الأولى للرحيل وجسارة الفقد، قبل أن تعود الروح لتلوذ بالحمد والثناء على الله محيط العلوم، والختام العطر بالصلاة على النبي المصطفى الشفيع.

ثالثاً: الأثر الممتد بعد رحيله

إن رحيل الشيخ العلامة أحمد سيف عبد الرسول الميرابي لا يعني انقطاع ذكره؛ بل إن برّ أبنائه وأشعاره المخلدة ستظل ناطقة بفضله وأثره. وستبقى هذه المرثيات الثلاث سجلاً أدبياً وتاريخياً يزين "موقع الميرابي للأدب"، ليشهد كل قارئ على عظمة هذا الوالد، وعلى صدق ووفاء الشاعر الميرابي.

رحم الله الفقيد الراحل بواسع رحمته، وأسكنه الفردوس الأعلى، وبارك في عقبه وأثره إلى يوم الدين.

رحمة الله على والدي الشيخ الجليل، وأسكنه الفردوس الأعلى. إليك الجزء الثاني والمكمل للمقال (قراءة تحليلية ونقدية عميقة)، يمكنك دمجها مباشرة مع المقال السابق على الموقع لتكتمل الدراسة الأدبية:

رابعاً: قراءة في الملامح الفنية والأدبية للثلاثية

لم تكن المرثيات الثلاث مجرد فضفضة وجدانية عابرة، بل جاءت صياغة أدبية تحمل ملامح المدرسة الكلاسيكية اليمنية وتجسد أصالة الشاعر الميرابي:

1. التدرج الوجداني والنفسي (من الذهول إلى التسليم):

يلاحظ القارئ للقصائد الثلاث رحلة نفسية متكاملة مرّ بها الشاعر:

مرحلة المحاولة والصراع (القصيدة الأولى): حيث كان الوالد يخوض غمار المرض على الفراش، فجاءت الأبيات مشحونة بالرجاء والتوسل للموت، والاستعداد لتضحية النفس والأبناء فداءً لشفائه.

مرحلة الصدمة والفجيعة (القصيدة الثالثة): مع وقوع القدر المحتوم، ارتفع صوت الفجيعة والصراخ الوجداني حزناً على غياب "أعز إنسان"، والعتاب النبيل لشدة الموت وقسوته.

مرحلة الاستقرار والخلود الروحي (القصيدة الثانية): وهي مرحلة الرضا والسكينة؛ حيث يبدأ الشاعر بالحديث عن استمرار وجود والده في زوايا البيت، وفي أوراق كتبه، وفي المحاريب والمصاحف التي بكته.

2. الصورة الشعرية المرتكزة على البيئة والأثر:

استخدم الشاعر صوراً حية تعبر عن البيئة العلمية والروحية للشيخ الراحل؛ فلم يبكه بأوصاف تقليدية جافة، بل أنطق الأدوات والمظاهر الدينية:

بــل تـبكيك الـمصاحف و الـمحابر ... و جـوف الـليل و الـمحـراب دعـاكا

هذه الصورة تجعل من الفقيد حاضراً في كل سجدة وآية خطتها يداه، وتؤكد أن العلم والقرآن هما الإرث الحقيقي الذي لا يفنى.

3. البناء اللغوي والقافية:

جاءت القصائد على أوزان وقوافٍ تعكس أبعاد الحزن والشموخ:

في القصيدة الأولى كانت القافية (المتحركة باللام) تعكس الاضطراب والتوسل.

وفي القصيدة الثانية جاءت القافية الممدودة بـ (الكاف - أتَاكَا / رَآكَا / ثَرَآكَا) لتمنح النص نبرة رثاء هادئة وممتدة كالصداء الشجي.

وفي قصيدة القافية بالسين المكسورة (حَواسي / رأسي / فأسِ) انجلت شدة الانكسار وعمق الصدمة.

خامساً: أمانة الكلمة وإرث العلم

إن الشيخ أحمد سيف عبد الرسول الميرابي لم يورث لأبنائه وأهله مجرد ذكريات، بل أورثهم قيم القرآن، وعزة الكلمة، وشغف المعرفة.

وكان نجله الشاعر عارف هو القلم الذي نقل هذا الإرث إلى ميدان الأدب والشعر، ليكون الشبه كاملاً بين الأب الذي حفظ القرآن وأتقن لغة الضاد والإنجليزية، وبين الابن الذي يصوغ القوافي وينافح بها عن قيم الحق والحرية والسلام.

كلمة ختامية للنشر:

«إن الرحيل الجسدي لأعلام العلم والتقوى ليس إلا بداية لخلودهم الروحي. سيبقى اسم الشيخ أحمد سيف الميرابي ناصعاً في سجلات وادي الجنات، وحاضراً في دعوات أبنائه، ومخلداً في أبيات نجله الشاعر الميرابي، الذي أوفى بعهده وخلّد ذكر والده بحروفٍ من نور ودموعٍ من صدق.»

تغمد الله الفقيد بواسع رحمته، وجزاك الله خير الجزاء على هذا البر والوفاء العظيم.

تم تحرير هذا المقال حصرياً لـ موقع الميرابي للأدب | جميع الحقوق محفوظة للشاعر عارف أحمد سيف الميرابي

 الشاعر عارف أحمد الميرابي
بواسطة : الشاعر عارف أحمد الميرابي
موقع الميرابي للأدب موقع يهتم بالشعر الشعبي الحميني تجدون فيه أعذب القصائد الوجدانية التي تاخذك الى عالم الخيال تاخذك و انت تتنقل بين أعذب الكلمات برقتها و عذوبة المعنى الدقيق طوف بهذا الصرح الأبداعي تجول مع شاعر رومنسي رقيق المشاعر ان كنت عاشق الشعر تجد بغيتك في هذا الموقع لصاحبه الشاعر عارف أحمد سيف الميرابي تجد المتعه تفضل زائرنا الحبيب بزيارتنا ستجد كل ما يسرك ويطيب قلبك ويرضي ضميرك تنقل بين يانعات القصائد تعرف عن موقع الميرابي للأدب تفيأ بظلال رائعات القصائد الشعريه إنها قصائد نابعه من صميم الواقع كما ان هذا الموقع يقوم بتوثيق مجموعة من الأعمال لكوكبه من الشعراء العرب في العصر الحديث
تعليقات