نبراس الوفاء في رثاء شهيد النزاهه
--------------
أَقُـــولُ فِـيـكَ كُــلَّ بَـقَـايَا أَشْـعَـارِيْ
وَأَنْـفُـخُ الـحُـبَّ فِــي وَهْــجِ تَـيَّارِيْ
أَصُــوغُ ذِكْـرَكَ فِـي الـتَّارِيخِ أُغْـنِيَةً
تُــرَدِّدُ الـحُـبَّ عَـلَـى مَــرِّ الأَدْهَـارِيْ
...وَأَجْتَنِي مِنْ رِيَاضِ الشَّوْقِ أُمْنِيَةً
حَـتَّـى أَرَاكَ بِـهَا فِـي عِـذْقِ أَزْهَـارِيْ
تَـرَاقَصَتْ فِـي فِـنَاءِ الجِسْمِ أَعْظُمُهُ
وَسَــاحَ دَمِــي بِـفَيْضٍ بَـيْنَ أَوْتَـارِيْ
كَـأَنَّ قَـلْبِي تَـلَاشَى مَـا عُدْتُ أَمْلِكُهُ
لَـمَّا لَـمَحْتُ حُـرُوفَكَ وَسْـطَ أَنْوَارِيْ
رَآكَ سَـمْـعِيَ فِــي الـمَـعْمُورِ مُـنْشَأَةً
وَأَصْــدَقُ الـقَـوْلِ فِـي كُـلِّ الأَطْـوَارِ
نَــزَاهَـةُ الـكَـفِّ تُـوحِـي أَنَّــكَ مَـلِـكٌ
أهَـدَاكَ رَبِّـي لِـشَعْبٍ وَقْـتَ الأَخْطَارِ
الشرح والتحليل الأدبي للقصيدة
المقطع الأول: تخليد الذكرى والوفاء (الأبيات 1 - 2)
أَقُولُ فِيكَ كُلَّ بَقَايَا أَشْعَارِيْ ... وَأَنْفُخُ الحُبَّ فِي وَهْجِ تَيَّارِيْ
أَصُوغُ ذِكْرَكَ فِي التَّارِيخِ أُغْنِيَةً ... تُرَدِّدُ الحُبَّ عَلَى مَرِّ الأَدْهَارِيْ
الشرح الدقيق: يفتتح الشاعر قصيدته بإعلان حالة من التدفق العاطفي الوجداني تجاه الشهيد، حيث يسخر ما تبقى من طاقته الشعرية وصوته الأدبي لرثائه. "نفخ الحب في وهج التيار" تعبير عن إحياء المبادئ والقيم التي مات من أجلها الشهيد، وجعلها تياراً حياً جارفاً. ثم ينتقل في البيت الثاني إلى التخليد التاريخي؛ فالشهيد ليس عابراً، بل تحول ذكره إلى "أغنية" سرمدية يرددها التاريخ والشعب جيلًا بعد جيل، تأكيداً على أن الاغتيال الجسدي لا يمحو الأثر الإنساني والوطني.
الجمالية البلاغية: استعارة مكنية في (أصوغ ذكرك في التاريخ أغنية)، حيث شبّه التاريخ بساحة والذكر اللامع بأغنية عذبة، مما يضفي طابع الخلود على مر الزمان (الأدهار).
المقطع الثاني: لوعة الفقد والتعلق بالرمز (الأبيات 3 - 5)
وَأَجْتَنِي مِنْ رِيَاضِ الشَّوْقِ أُمْنِيَةً ... حَتَّى أَرَاكِ بِهَا فِي عِذْقِ أَزْهَارِيْ
تَرَاقَصَتْ فِي فِنَاءِ الجِسْمِ أَعْظُمُهُ ... وَسَاحَ دَمِي بِفَيْضٍ بَيْنَ أَوْتَارِيْ
كَأَنَّ قَلْبِي تَلَاشَى مَا عُدْتُ أَمْلِكُهُ ... لَمَّا لَمَحْتُ حُرُوفَكَ وَسْطَ أَنْوَارِيْ
الشرح الدقيق: هنا ينتقل الشاعر إلى تصوير اللوعة الذاتية وأثر هذا الفقد الصادم على كيانه وقلمه. يتمنى الشاعر في حيرته وشوقه لو يتمكن من رؤية هذا الرمز الوطني مجدداً ولو في خياله المتفتح كالأزهار. ثم يصف الأثر العضوي والنفسي المزلزل لذكرى الاغتيال والدماء؛ فالجسد يهتز ألمًا، والدم يسيل لوعةً ليتحول إلى نغم حزين يعزف على أوتار القافية. وفي البيت الخامس، يعبر ببراعة عن غياب السيطرة على مشاعره؛ فبمجرد أن تلوح حروف اسم الشهيد (إبراهيم) أو مآثره وسط نصوصه، يتلاشى قلبه هيبةً ومحبة وتأثراً بجلالة الموقف.
الجمالية البلاغية: المبالغة المقبولة في الرثاء (تراقصت في فناء الجسم أعظمه) للدلالة على الهزة النفسية العنيفة، و(ساح دمي بين أوتاري) وهي صورة تعبيرية دمجت بين دماء الشهيد النازفة ودماء الشاعر المتأثرة شعرياً. (ملاحظة: تأكد عند النشر من ضبط "حتى أراكَ" بفتح الكاف للمذكر كما في المخطوطة الأخيرة).
المقطع الثالث: الشهادة الحية والنزاهة السياسية (البيتان 6 - 7)
رَآكَ سَمْعِيَ فِي المَعْمُورِ مُنْشَأَةً ... وَأَصْدَقُ القَوْلِ فِي كُلِّ الأَطْوَارِ
نَزَاهَةُ الكَفِّ تُوحِي أَنَّكَ مَلِكٌ ... هَدَاكَ رَبِّي لِشَعْبٍ وَقْتَ الأَخْطَارِ
الشرح الدقيق: ينطلق الشاعر في الختام إلى توثيق المنجزات الحقيقية للرئيس الحمدي. وعبارة "رآك سمعي" هي ذروة البلاغة في النص (تراسل الحواس)؛ فالشاعر لم يعاصر الشهيد عياناً ربما، أو يتحدث عن منجزات يُسمع بها في كل مكان (المعمور) من مدارس، وطرقات، ومشاريع تعاونية (مُنْشَأَةً)، فكأن السمع من كثرة ما سمع عن المنجزات صار يراها رأي العين. وفي البيت الأخير يضع اليد على السمة الأبرز للحمدي وهي "نزاهة الكف" ومحاربة الفساد؛ فيصفه بأنه كالملائكة طهراً ونزاهةً (أو كالملوكِ عدلاً)، وأنه كان هِبة من الله ومُنقذاً أُرسل للشعب اليمني في مرحلة تاريخية عصيبة مليئة بالأخطار والصراعات.
الجمالية البلاغية: "نزاهة الكف" كناية عن العفة والأمانة المالية والسياسية، وهي القيمة الصامدة للحمدي في التاريخ اليمني. وقوله "وقت الأخطار" تشخيص دقيق للمرحلة التي تولى فيها الحكم (عام 1974) وكيف قاد البلاد نحو الاستقرار والازدهار القصير.
صلاحية النص للنشر
الرصانة الموسيقية: النص منضبط تماماً عروضياً على بحر البسيط بعد التعديلات الأخيرة، وقافيته (الراء المكسورة المشبعة بالياء) تعطي نغماً شجياً ومبكياً يناسب غرض الرثاء.
الرسالة والهدف: القصيدة تجمع بين رثاء الشخص والثناء على "المشروع الوطني"، وهو ما يجعلها مادة جاذبة جداً للقراء والجمهور اليمني والعربي الذي لا يزال يحمل تقديراً خاصاً لـ "الحمدي".

تعليقات
إرسال تعليق
أخي الزائر نحن سعيدون جدا بزيارتك لنا فزيارتك شي عظيم بالنسبة لنا و يهمنا كثيراً من فضلك أترك تعليقك هنا لما ترانا نستحقة من حروفك الذهبيات فألف الف شكر