عن ارض بلقيس للشاعر عارف احمد سيف الميرابي


 كُلُّ الَّذِينَ بِهَذَا الكَوْنِ قَدْ أَفَلُوا

لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ سوى الأَبْقَارُ وَالحُمُلُ

بَلْقِيسُ تَبْحَثُ عَنْ خِلٍّ لِيُنْقِذَهَا

دَاخَتْ دُوَاراً وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا رَجُلُ

صَاحَتْ بِصَوْتِهَا العَالِي أَيْنَ الَّذِي

قَالُوا لَنَا البَأْسُ هَلْ الكُلُّ قَدْ قُتِلُوا؟

مَاتُوا وَمَاتَتْ مِنَ الدُّنْيَا رُجُولَتُهُمْ

وَسَتَنْفَذُ كُلُّ قُوَى أَحْفَادِهِمْ شَلَلُ

بِلْقِيسُ لَوْ تَصْرُخِي أَلْفَ صَاعِقَةٍ

لَنْ تَسْمَعِي لِصَدَاهَا اليَوْمَ مُفْتَعَلُ

دَاءٌ عُضَالٌ أَلَمَّ اليَوْمَ بِسَاحَتِنَا

وَشَبَّ فِي جِسْمِهَا الأَسْقَامُ وَالعِلَلُ

دَمُ الشَّهَامَةِ قَدْ فَارَقَ مَلَامِحَهَا

وَالعَيْبُ وَالنُّبْلُ وَالأَخْلَاقُ قَدْ رَحَلُوا

هذه الأبيات تنضح بالوجع والأسى على ما آل إليه حال الوطن (أرض بلقيس / اليمن)، وهي صرخة عتاب واستنهاض موجعة تُصوّر الفجوة الكبيرة بين ماضٍ مجيد كان يفيض بالقوة والنخوة، وحاضرٍ مؤلم خيّم عليه العجز والركود.

إليك شرحٌ مفصل ودقيق للأبيات من حيث المعنى، الصور الجمالية، واللغة:

1. انطفاء الكون وغياب السند

كُلُّ الَّذِينَ بِهَذَا الكَوْنِ قَدْ أَفَلُوا ... لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ سوى الأَبْقَارُ وَالحُمُلُ

المعنى: يبدأ الشاعر بمقدمة تشاؤمية قاسية، يرى فيها أن كل قوى الخير والرجال الصادقين في هذا العالم قد غابوا وانطفأ نورهم (أفلوا). ولم يتبقَّ في المشهد إلا من يسيرون بلا وعي أو إرادة، مشبهاً إياهم بالأنعام (الأبقار والحملان) التي تُقاد ولا تقود، في إشارة إلى فقدان الشجاعة والقيادة.

2. بلقيس تبحث عن المنقذ

بَلْقِيسُ تَبْحَثُ عَنْ خِلٍّ لِيُنْقِذَهَا ... دَاخَتْ دُوَاراً وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا رَجُلُ

المعنى: رَمَز الشاعر للوطن بـ "بلقيس" (ملكة سبأ التاريخية) دلالة على الأصالة والمجد. هذه الأرض اليوم تلتفت يمنة ويسرة تبحث عن صديق وفيّ أو ناصر مخلص (خلّ) لينتشلها من محنتها، لكنها أصيبت بالدوار والإعياء الشديد من كثرة البحث دون جدوى؛ فلم تجد رجلاً يمتلك مقومات الرجولة الحقيقية ليلبي النداء.

3. الصرخة الحائرة والسؤال الصادم

صَاحَتْ بِصَوْتِهَا العَالِي أَيْنَ الَّذِي ... قَالُوا لَنَا البَأْسُ هَلْ الكُلُّ قَدْ قُتِلُوا؟

المعنى: يصور الشاعر الوطن وهي تصرخ بأعلى صوتها، مستنكرةً ومستفهمة بوجع: أين أصحاب البأس الشديد والقوة الذين تغنى التاريخ بشجاعتهم؟ (وهي إشارة غير مباشرة لآية القرآن الكريم عن قوم سبأ: {نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}). وتساءلت بصدمة: هل فني هؤلاء الرجال جميعاً ولم يعد منهم أحد؟

4. موت النخوة وتوارث العجز

مَاتُوا وَمَاتَتْ مِنَ الدُّنْيَا رُجُولَتُهُمْ ... وَسَتَنْفَذُ كُلُّ قُوَى أَحْفَادِهِمْ شَلَلُ

المعنى: يجيب الشاعر على تساؤل بلقيس بمرارة؛ مؤكداً أن أولئك الرجال قد رحلوا، وماتت معهم قيم الرجولة والشهامة. ولم يقتصر الأمر على الحاضر، بل إن المستقبل يبدو قاتماً؛ حيث يرى أن الأحفاد (الأجيال الحالية والقادمة) ستتبدد قواهم وطاقاتهم دون فائدة، وكأنهم أصيبوا بالشلل والعجز عن الفعل.

5. صرخة في وادٍ سحيق

بِلْقِيسُ لَوْ تَصْرُخِي أَلْفَ صَاعِقَةٍ ... لَنْ تَسْمَعِي لِصَدَاهَا اليَوْمَ مُفْتَعَلُ

المعنى: يخاطب الشاعر الوطن (بلقيس) بلهجة اليائس والمشفق، يخبرها أن صراخها واستغاثتها – حتى لو بلغت شدتها شدة الصواعق – لن تجد آذاناً صاغية. لن يكون هناك أي رد فعل أو حركة (مفتعل) تلبي هذا الصدى، فالبلادة قد تمكنت من النفوس.

6. المرض العضال الملمّ بالوطن

دَاءٌ عُضَالٌ أَلَمَّ اليَوْمَ بِسَاحَتِنَا ... وَشَبَّ فِي جِسْمِهَا الأَسْقَامُ وَالعِلَلُ

المعنى: ينتقل الشاعر لتشخيص الحالة؛ فالوطن يمر بأزمة خانقة تشبه "الداء العضال" (المرض الذي لا برء منه). هذا المرض والضعف انتشرا وتغلغلا في جسد الوطن (الأرض والمجتمع) فصارت الأسقام والعلل تشتعل فيه كالنار.

7. رحيل القيم والأخلاق

دَمُ الشَّهَامَةِ قَدْ فَارَقَ مَلَامِحَهَا ... وَالعَيْبُ وَالنُّبْلُ وَالأَخْلَاقُ قَدْ رَحَلُوا

المعنى: يختم الشاعر قصيدته برسم الملامح الشاحبة للوطن؛ فدماء الشهامة والنخوة التي كانت تجري في عروق أبنائها قد جفت وفارقت وجوههم. والأقسى من ذلك، أن الموازين تداخلت والقيم رُفعت؛ فرحل النبل، ورحلت الأخلاق، وحتى المروءة التي كانت تمنع الإنسان من ارتكاب العيب قد غابت، فصار المشهد فراغاً قيمياً مخيفاً.

الرؤية الفنية والجمالية في الأبيات:

العاطفة: عاطفة وطنية مجروحة، يمتزج فيها الحزن العميق بالخيبة والعتاب القاسي لأبناء الوطن.

الرمزية: استخدام "بلقيس" كرمز لليمن يمنح النص أبعاداً تاريخية وحضارية، مما يعمق حجم المأساة (المقارنة بين عظمة الماضي وانكسار الحاضر).

التشخيص (الاستعارة): شخّص الشاعر الوطن في صورة امرأة (بلقيس) تصرخ، وتدور، وتمرض، ويموت دم الشهامة في ملامحها، وهو ما يجعل القارئ يتفاعل وجدانياً مع معاناة هذا الجسد الجغرافي والإنساني.


 الشاعر عارف أحمد الميرابي
بواسطة : الشاعر عارف أحمد الميرابي
موقع الميرابي للأدب موقع يهتم بالشعر الشعبي الحميني تجدون فيه أعذب القصائد الوجدانية التي تاخذك الى عالم الخيال تاخذك و انت تتنقل بين أعذب الكلمات برقتها و عذوبة المعنى الدقيق طوف بهذا الصرح الأبداعي تجول مع شاعر رومنسي رقيق المشاعر ان كنت عاشق الشعر تجد بغيتك في هذا الموقع لصاحبه الشاعر عارف أحمد سيف الميرابي تجد المتعه تفضل زائرنا الحبيب بزيارتنا ستجد كل ما يسرك ويطيب قلبك ويرضي ضميرك تنقل بين يانعات القصائد تعرف عن موقع الميرابي للأدب تفيأ بظلال رائعات القصائد الشعريه إنها قصائد نابعه من صميم الواقع كما ان هذا الموقع يقوم بتوثيق مجموعة من الأعمال لكوكبه من الشعراء العرب في العصر الحديث
تعليقات